آه ..فهمي السقاف آية الوفاء والصدق التي لا تنسخ مرتين

في صمت مميت ، رحل صديقي دون أن يسمح ليٌ بسماع ضجيج قهقهة حين أسمعه لكاعتي .


في آخر لقاء معه قال ليٌ : (ياصديقة عليك شكاوى كثيرة ، وصمت برهة ، نظر إليّ ، أبتسمت ثم تابع : من النساء ..) ، ضحكت بعلو حسي بعد الاستماع إليه مثلما تعودنا  وقلت له : ( نعم ، بالفعل أنا سبب غلاء البترول و الأسعار وهبوط الريال ، وسبب الاعتقال والاغتيال و بؤس الرجال و سبب الانقلابات و الانفلاتات و التقلبات و سبب عدم مشاركة النساء في الحكومة و إيقاف نفقة المظلومة ، وسبب الخراب و الاضراب ....سبب حتى إنهيار سد مأرب ، ورفعت أصبعي السبابة للسماء واستطردت قائلة : ( فهمي ياعزيزي أنا أستمع إليك كثيراً ، هناك رب في السماء ينصف بيني وبينهن ) ، و كعادته رد عليّ :(دائما تقنعني ). ليس لقدرتي على الإقناع ، وإنما لأن الشكاوى قد سمعتها مراراً وتكراراً ، فهمي تعال لنمضي نتحدث عن مصائبنا نحن ، و تفاصيل حياتنا المحصورة و المحسوبة علينا حياة .


توقف عند كلمتي طويلا ( المحسوبة علينا حياة) ، وكرر هي فعلاً (محسوبة علينا حياة)  و نعرج للحديث عن الأصدقاء و الصديقات الزائفون و الزائفات وكُثر هم وهن ياصديقي ، وفتحنا هنا بعض القوائم نستعرضها عن أحقادهم وحسدهم ونظرتهم إلى نجاحنا ورزقنا ولقمة العيش التي لايعرف هؤلاء كيف نصل إليها وعلى أي حساب ؟ (رجال ونساء) ..وننتهي بالقول : ( إلا أننا نحبهم ونحبهن بصدق ) وهذا الذي يفرق بيننا و بينهم وبينهن.


 نعم أيها الغالي .. هدوء النفس وسلامها واستقرارها لا يحصل عليه إلا قلة قليلة ، منحة من الله المحبة ، عطايا الرحمن التي لاحدود لها ، فكيف بالله يستطيعون الآن سداد دينهم/هن لك ؟؟؟! .


كنا معاً نؤجل كل خصوماتنا مع الغير و نرفعها إلى الرحيم ، الكريم ، المنتقم ، الجبار ) و كنت تضحك عليّ ، عن روحانيتي و تجلياتي وتتفق معي ، بأني مثلك بلا رتوش و مكياج ولا حتى مجاملات ، فأشبه نفسي برابعة العدوية ، إلا أنها استمتعت ببعض سنوات حياتها أما أنا ياحسرة . ( رحمة الله عليها ) فتضحك بلا توقف .


فهمي ياصديقي من أين ليّ ، بصديق أخر ، يشيد بيّ بدون رتوش ومجاملات ، لايختلف معي كثيراً ، إلا في حدود التهور بعض الأحيان ، كما كنت تقول:(لا تندفعي فهؤلاء لاأمان لهم ومنهم ، لاتقولي : رب السماء يحميني ... ، أنهم لا يخافون أيضاً) ، من أين ليّ بمن أصلب إعجابا بضحكته ، وأشده لسماع صوته الجهور، من أين ليّ بصادق صدوق أمين مثلك ياحبيبي . 


آه . فهمي . فما هكذا يموت الأنقياء : (ياالله) ؟! بفاجعة و آلم ، يُختطفون بقطار العمر ، كرمشة عين ماتزال ترف من كابوس مخيف كنا حين نلتقي في فعالية ما ، لابد أن نجلس بحانب بعضنا البعض كي ننم ونعلق و نتلاكع بهدوء وفجأة تفضحنا ضحكتك ، ويفرقونا ، إلا إننا نأبى أن نلتقي اخر الفعالية و نغادر معاً بسيارتي و نستمتع بما تبقى من تعليقات و مناقشة و تحليل و اوصلك الى واجهتك وأنت مازلت تضحك ، كم يمكنني أن ادفع ثمن قيمة تلك القهقة ياصديقي كي أسمعها من جديد ؟! و أمضي في حال سبيلي كيف ليّ بأن أشارك عن المخفيين قسراً دون وجودك ، وعن العدالة الانتقالية دون حضورك ، أتذكر يافهمي تلك القاعة التي جمعتنا لعدة شهور من السنة ، محور العدالة الانتقالية في مؤتمر الحوار الوطني وكيف كنا نرفض استباق المصالحة الوطنية على العدالة الانتقالية و معنى الصديق الشجاع عبد الكريم الخيواني ، و معظم المطلوبين للعدالة كانوا معنا في ذات القاعة.


هأنت تذهب إليه الآن ، و تتركوني وحيدة في جدل عما حدث بفضاء تلك القاعة ، و قطعت عهد معكما بالا أتسبق المصالحة العدالة الانتقالية وإلا فإنهم سيقتلونا مراراً ذهاباً وأياباً وهاهم يفعلون مع اختلاف بعض الشخوص ، وإلا مازلوا الفاسدين مثلما هم ، والقتلة كم هم ، الذي تغير ازدياد أعدادهم فقط و يكثرون من امتصاص دماؤنا  ونحن نتناقص يوماً عن يوم وتشيخ ملامحنا و تنحل أجسادنا.  نجاهد ركضا وسحلا و مشيا و ...الخ وراء توفير لقمة الخبز المغموسة بالدموع و المطحونة بأنين أوجاعنا  وهم يبدعون في بيع الوطن و الثروة حتى العدل سجنوه في قفص إضرابهم ، كما قلنا : أنهم يتشابهون ويتشابهون كثيراً ياصديقي. رحل الإنسان الذي ترك فراغ لا يملأه أحد في نفوس كل من عرفه عن بعد قبل قرب ، رحل الأقرب الى عقلي قبل قلبي ، رحل من لايعوض مكانته و خلوده في ذاكرتي ،،، رحل من لاتكفيه عبرات الحزن و حشرجة النواح ، رحل الآية الصادقة من نضال رجال هذه البلد ومعظمهم قد رحلوا . 


 لاتنم ياصديقي .


 فمعركتنا مع الظلم و الفساد و القمع و الإخفاء و الذل و النهب والسطو و الارتزاق ...لم تنته بعد  . 

 سأحارب وطيفك وحده معي .